محمد بن جرير الطبري
15
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بهربهم منه في الأرض إذا أراد عقابهم والانتقام منهم ، ولكنهم في قبضته وملكه ، لا يمتنعون منه إذا أرادهم ولايفوتونه هربا إذا طلبهم . وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يقول : ولم يكن لهؤلاء المشركين إذا أراد عقابهم من دون الله أنصار ينصرونهم من الله ويحولون بينهم وبينه إذا هو عذبهم ، وقد كانت لهم في الدنيا منعة يمتنعون بها ممن أرادهم من الناس بسوء . وقوله : يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ يقول تعالى ذكره : يزاد في عذابهم ، فيجعل لهم مكان الواحد اثنان . وقوله : ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ فإنه اختلف في تأويله ، فقال بعضهم : ذلك وصف الله به هؤلاء المشركين أنه قد ختم على سمعهم وأبصارهم ، وأنهم لا يسمعون الحق ، ولا يبصرون حجج الله سماع منتفع ولا إبصار مهتد . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ صم عن الحق فما يسمعونه ، بكم فما ينطقون به ، عمي فلا يبصرونه ، ولا ينتفعون به حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ قال : ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا خبرا فينتفعوا به ، ولا يبصروا خيرا فيأخذوا به حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قال : أخبر الله سبحانه أنه حال بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا والآخرة . أما في الدنيا فإنه قال : ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وهي طاعته ، وَما كانُوا يُبْصِرُونَ وأما في الآخرة فإنه قال : فَلا يَسْتَطِيعُونَ خاشِعَةً وقال آخرون : إنما عنى بقوله : وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ آلهة الذين يصدون عن سبيل الله . وقالوا : معنى الكلام : أولئك وآلهتهم لم يكونوا معجزين في الأرض ، يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ يعني الآلهة أنها لم يكن لها سمع ولا بصر . هذا قول روي عن ابن عباس من وجه كرهت ذكره لضعف سنده . وقال آخرون : معنى ذلك : يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع ولا يسمعونه ، وبما كانوا يبصرون ولا يتأملون حجج الله بأعينهم فيعتبروا بها . قالوا : والباء كان ينبغي لها أن تدخل ، لأنه قد قال : وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ بكذبهم في غير موضع من التنزيل أدخلت فيه الباء ، وسقوطها جائز في الكلام كقولك في الكلام : لاحن بما فيك ما علمت وبما علمت ، وهذا قول قاله بعض أهل العربية . والصواب من القول في ذلك عندنا ما قاله ابن عباس وقتادة ، من أن الله وصفهم تعالى ذكره بأنهم لا يستطيعون أن يسمعوا الحق سماع منتفع ، ولا يبصرونه إبصار مهتد ، لاشتغالهم بالكفر الذي كانوا عليه مقيمين ، عن استعمال جوارحهم في طاعة الله ، وقد كانت لهم أسماع وأبصار . القول في تأويل قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين هذه صفتهم ، هم الذين غبنوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله . وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ وبطل كذبهم وإفكهم وفريتهم على الله بادعائهم له شركاء ، فسلك ما كانوا يدعونه إلها من دون الله غير مسلكهم ، وأخذ طريقا غير طريقهم ، فضل عنهم ، لأنه سلك بهم إلى جهنم ، وصارت آلتهم عدما لا شيء ، لأنها كانت في الدنيا حجارة أو خشبا أو نحاسا ، أو كان لله وليا ، فسلك به إلى الجنة ، وذلك أيضا غير مسلكهم ، وذلك أيضا ضلال عنهم . القول في تأويل قوله تعالى : لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ يقول تعالى ذكره : حقا أن هؤلاء القوم الذين هذه صفتهم في الدنيا في الآخرة هم الأخسرون ، الذين قد باعوا منازلهم من الجنان بمنازل أهل الجنة من النار ؛ وذلك هو الخسران المبين . وقد بينا فيما مضى أن معنى قولهم ، جرمت : كسبت الذنب وأجرمته ، أن العرب كثر استعمالها إياه في مواضع الأيمان ، وفي مواضع " لا بد " كقولهم : لا جرم أنك ذاهب ، بمعنى : لا بد ، حتى استعملوا ذلك في مواضع التحقيق فقالوا : لا جرم